عبد الملك الجويني

267

نهاية المطلب في دراية المذهب

وهذا يطرد في كل ما هو استمتاعٌ من المحظورات . فأما قتل الصيد ، والحلق ، والقَلْم ، فظاهر المذهب أن صَدَرَ ( 1 ) هذه الأشياء من الناسي في إيجاب الفدية كصدَرِها من العامد ؛ نظراً إلى الإتلافات . ونصَّ الشافعيُّ في المغمى عليه إذا حلق شعره [ أنه ] ( 2 ) لا تتعلق الفدية بما جرى في حالة الإغماء ، وإن كان الحلق ملتحقاً بالإتلافات ، فأثبت أصحابنا قولاً في المسألة ، في الاستهلاكات . وحكى شيخي أبو محمد قولين في الصيد أيضاً . وخرج من الترتيب أن الاستمتاع المحض يفصّل بين الناسي والعامد ، وفي الاستهلاكات قولان : أظهرهما - أن لا فرقَ ، وكنت أودّ لو فصل فاصل بين قتل الصيد ، وبين الحلق ، والقَلْم ، فإنا وإن عددنا الحلق ، والقَلْم ، من الإتلافات ، ففرض الاستمتاع فيهما غالب . وأمَّا موجَبُ الصيد قيمةُ ( 3 ) متلَف ، والذي يؤلف بينهما ، أن تلك القيمة شرعية ، وإلا فالصيد المباح لا قيمةَ له . فهذا قولينا في الناسي . 2599 - فأما الجاهل ، فأهم ما فيه تصويره ، فمن جهل كونَ استعمال الطيب محرماً في الشرع ، فهو كالناسي في حكمه ، وهذا قولينا في الصوم ، والصلاة . ومن علم تحريم الاستعمال ، وجهل وجوبَ الفدية ، أعلمناه أن الفديةَ تجب عليه ، ومن علم تحريمَ الطيب ، وجهل كون الشيء طيباً ، فقد اختلف أصحابنا : فمنهم من لم يوجب الفدية ، ومنهم من أوجبها . ولو علم أن الممسوس طيبٌ ، ولكنه حسبه يابساً ، لا تعبَق منه رائحة ، فإذا هو رطب ، فالأصح وجوب الفدية . فرع : 2600 - إذا اتصلت عينُ الطيب ، ببدن المحرم ، على وجهٍ لا يلزمه بذلك الاتصال فدية ، فيتعين عليه السعي في إزالتها ، وقد لا يتأتى له السعي دون ممارسة

--> ( 1 ) سبق التنبيه أكثر من مرة إلى أنها بمعنى ( صُدور ) . وهو استعمال مألوف في كتب الأقدمين ، من الفقهاء وغيرهم ، فأنت تراه عند الإمام عبد القاهر الجرجاني في ( دلائل الإعجاز ) ، كما تراه عند السرخسي ، في ( المبسوط ) ، وعند ابن هُبَيْرة في ( الإفصاح ) . وغيرهم كثير . ( 2 ) في الأصل : أن لا . ( 3 ) كذا في جواب أما بدون الفاء ، وهي لغة الكوفيين ، وعليها جرى إمام الحرمين كثيراً .